أسرار خلف الشريط الأصفر : كيف يقرأ المحققون مسرح الجريمة” كل إتصال يترك أثرا ” هذا المبدأ الذي يقوم عليه التحقيق الجنائي الميداني أو ما يعرف أيضا بمبدأ لوكارد للتبادل ؛ و هو المبدأ الذي أسسه شيرلوك هولمز فرنسا فبالنسبة له لا وجود للجريمة الكاملة فكل دخول لمكان تترك أثرا فيه و كل خروج منه يترك أثرا فيك .

و عليه يتم طرح الأسئلة 4 عن مسرح الجريمة للإجابة الميدانية عن هذا .
- من فعل هذا ؟ الإجابة تكمن في الدليل الإرتباطي كبصمات الأصابع و الدم ، السوائل الجسدية ، الأسلحة ، الشعر ، الألياف و غيرها ، و بالتالي أي دليل من هته الأدلة في مسرح الجريمة يُربط بشخص ما مباشرة .
- كيف حدث هذا ؟ الإجابة تكمن في إعادة بناء الأدلة كنمط تناثر دم ، نافذة مكسورة ، بصمات أحذية و غيرها ، تسمح للمحققين بفهم الأحداث التي حدثت في مسرح الجريمة .
- ما الذي حدث ؟ الإجابة تكمن في جمع الأدلة المادية مما يساعد المحققين بإعادة
- إنشاء مسرح الجريمة و إعادة ترتيب و تسلسل الأحداث .
- من كان موجودا ؟ الإجابة تكمن في جمع العينات الضابطة أي أن أي شخص له وصول للمسرح و لا يكون مشتبها يتم أخذ عينات من بصمات أصابعه أو حمضه النووي و ذلك لاستبعاده .
من هته الأسئلة ينطلق عملهم منهجيا و مرتبا عن طريق 4 مراحل :
- تحديد و تأمين المناطق التي قد تحتوي على أدلة .
- فحص و توثيق المشهد .
- جمع الأدلة المادية .
- حفظ و تعبئة و تقديم الأدلة الى المختبر لتحليلها .

باحثين عن أجوبة لأسئلتهم ، و كلما كان الفريق أكثر شمولا و تعاونا كانت أجوبتهم أدق و أسرع لتحقيق العدالة و معرفة البريء و المذنب .
كما تجدر الإشارة إلى أن وجود جثة في مكان غير الذي قُتلت فيه يسمى مسرح جريمة ثانوي .
أولا : تحديد و تأمين مناطق الجريمة :
باعتبار مسرح الجريمة هو الشاهد الصامت على أحداث ما حصل يُولي المحققون له أهمية بالغة ، فتطويق المكان بشريطهم الأصفر يُعتبر أول مسلمة لا يُمكن التساهل فيها أثناء عملهم ، فيمنعون دخول الأشخاص غير المصرح لهم و في نفس الوقت يحفظون الأدلة دون أن يشوبها أي تشويه و خاصة مع الأدلة الهشة كبصمة الحذاء على التراب .
ثانيا : فحص و توثيق المشهد :
و ينقسم إلى 3 مراحل و هي :
Ⅰ .النظرة المبدئية الشاملة :
في هته المرحلة يقوم المحقق بمعاينة المسرح بصريا لكنه يُبقي حواسه الأخرى متيقظة كحاسة الشم مثلا ، لرصد أي شيء غريب أو له علاقة بالجريمة و تدوين أي شيء بالتفصيل و يكون هذا قبل لمس أي شيء في المسرح ، فمثلا لو دخل المحقق و شم رائحة لوز مر و لا وجود لآثار عنف على الجثة فستؤول شكوكه مباشرة إلى التسمم بالسيانيد .
Ⅱ .الفحص التوثيقي :
بعد انتهاء المعاينة البصرية ينتقل الفريق الجنائي إلى توثيق مسرح الجريمة فوتوغرافيا و تخطيطيا .
1. التوثيق الفوتوغرافي : و يكون باستخدام الكاميرا على ثلاث مراحل :
أ. الصور العامة :
و تكون لقطات واسعة للمكان من الخارج و الداخل بافتراض أن الجريمة كانت داخل بناية مثلا و كلما كانت الجريمة في مكان أوسع اتسعت دائرة التصوير ، فقد تصل حتى للتصوير الجوي إذا استدعى الأمر ، فالهدف الجنائي من هته اللقطات المتسعة هو ربط مسرح الجريمة بكامل محيطه الخارجي و ذلك لوسم المسرح و إنشاء اللوحة الكاملة للبدء في ترتيب قطع أحجية الجريمة .
ب. الصور المتوسطة :
أو ما تعرف بجسر مسرح الجريمة ، يتم فيها تصوير الأدلة في كادر مع شيء ثابت ؛ مثلا سلاح الجريمة مع الأريكة أو الرصاصة بجانب الجثة ، لكن قبل هذا يتم ترقيم أي دليل مادي ببطاقة صفراء مرقمة فيتم تشكيل خارطة أدلة متناثرة لكنها مرتبة و منظمة ، ثم يتم التصوير بزوايا قائمة 90 درجة أو زوايا جانبية بمستوى النظر لتوثيق الإرتفاعات و المسافات البصرية بدقة .
و يتم تلخيص هته العملية الدقيقة في كلمة السياق ، و تبلغ أهميتها في حماية مسرح الجريمة من التزوير و الإفتراء الكاذب لأماكن الأدلة المادية و إعادة بناء سيناريو الجريمة و مجرياتها فمثلا إن كانت الضحية قُتلت مباغتة من الخلف أو الأمام إضافة إلى ربط الدليل بالمخطط الذي سيتم رسمه لاحقا عند الإنتهاء أو ما يعرف بمخطط الكروكي .
ج. الصور القريبة :
في هته المرحلة من التصوير يقوم المصور بوضع عدسته مباشرة فوق الدليل لالتقاط أدق التفاصيل التي قد تغفل عنها العين عند المسح السريع المجرد كأنماط بقع الدم مثلا ، و يتم ذلك مرتين مرة طبيعيا لإثبات عدم التلاعب بالأدلة و مرة بإضافة مسطرة لقياس التفاصيل خاصة الصغيرة ، و تكمن أهميتها في حماية التفاصيل التي قد تختفي و إعطاء الأحجام الصحيحة للأدلة المادية فكثيرا ما يقوم التصوير الفوتوغرافي بجعل الأدلة أصغر أو أكبر مما تبدو عليه .
2. التوثيق التخطيطي : فيكون عبر مرحلتين :
أ. المخطط الكروكي :
و هو رسم تخطيطي أولي يقوم به المحقق في مسرح الجريمة بمنظور علوي طائر ؛ أي أنه يخطط المكان كأنه يراه من السقف فيبدأ في رسم معالم المكان الرئيسي كالجدران و الأبواب و النوافذ بعدها يضيف عليها مواقع الأدلة المادية كمكان الجثة و مكان بقع الدم و السلاح و يشترط في هذا الرسم أن يكون محددا فيه إتجاه الشمال لتبيان الإتجاهات الجغرافية و مفتاح للرسم بترقيم جميع الأدلة و يعتبر حجرا أساسيا بعدها ليصبح مخططا رسميا بعد إكماله ليعرض في المحكمة بعد أن يتم إعادة برمجته في البرامج الحاسوبية .

ب. التثليث القياسي :
لا يمكن لمخطط كروكي أن يكتمل بدون التثليث القياسي فهو خريطته الأساسية التي لا يمكنه الإستغناء عنها ، فهو أسلوب هندسي يتم فيه تحديد موقع أي دليل مادي جغرافيا بدقة حتى يستحيل الطعن في مكانه لاحقا .
يتم الأمر بدقة شديدة ؛ يقوم المحقق الجنائي باختيار مرجعين ثابتين و لا يمكنهما الحركة كالجدار و الباب مثلا بعدها يتم أخذ الشريط القياسي و قياس المسافة ما بين الجدار و الدليل المادي كالسلاح مثلا ثم يتم قياس المسافة ما بين الباب و السلاح بعدها يتم إغلاق القياس ما بين الجدار و الباب فيتشكل لنا مثلث زاويته الرئيسية هي الدليل ، بعدها يتم نقل جميع القياسات إلى مخطط كروكي لتكتمل صورة المسرح لدينا .
3. تدوين الملاحظات :
رغم أن المحقق منذ لحظة دخوله يقوم بالتدوين إلا أن هته المرحلة لا يمكن الإستغناء عنها فهي أحيانا تقوم بحل كل أحجية الجريمة ، فيقوم المحقق بكتابة تقرير مفصل و شامل و حي عن 3 أهم محاور و هي :
أ. توثيق الظروف الفيزيائية و البيئية المؤقتة لمسرح الجريمة :
يقوم المحقق بتسجيل حالة المكان اللحظية بدقة لأنها قد تختفي بعد ساعات مثل حالة الطقس و بيئة المكان ( طقس بارد خارجا دافئ في الداخل ) ، الإضاءة و الروائح ( رائحة اللوز المر و تلفاز مشغل بأعلى صوت ) و الأثاث و النوافذ ( أسرة مقلوبة رأسا على عقب ، باب المنزل مفتوح و نوافذ مغلقة ) و رصد الظاهر الحياتية المؤقتة ( فنجان قهوة يتصاعد منه الدخان ) .
ب. الجدولة الزمنية و حصر أطراف مسرح الجريمة :
و تتمثل في تحديد وقت و تاريخ الإبلاغ عن الجريمة ، ساعة وصول فريق التحقيق بالضبط و قائمة بأسماء و تواقيع كل الأشخاص الذين دخلوا خلف الشريط الأصفر كضباط الدورية و المسعفين .
ج. وصف الأدلة في مكانها الأصلي قبل الرفع :
يتم كتابة وصف تفصيلي عن الأدلة المادية المرقمة ؛ فمثلا رقم الدليل 1 : سكين ذو نصل حاد ملقى على بعد 5 سم من رأس الضحية و بدون مقبض .
كما تجدر الإشارة أنه يجب أن تكتب جميع هته التوثيقات في مجلد مترابط مكتوبة بالحبر الدائم و مرقمة ترقيما تسلسليا حتى يمنع تمزيق أو إضافة الأوراق أو مسح أو إضافة معلومات ، أما في حالة الخطأ فيتم رسم خط واحد مستقيم على الخطأ و كتابة التعديل بجانبه
ثالثا : جمع الأدلة :
يقوم المحققون باتباع 5 أنماط جنائية هندسية معتمدة دوليا ، فالأمر لا يتم بطريقة عشوائية بتاتا ، فيتحولون في مسرح الجريمة إلى صائدي الأدلة المادية عكس ما كانوا يقومون به في الأول من مراقبة و توثيق ، و تكون عبر بروتوكولات علمية صارمة لمنع حدوث أي خطأ .
و تقوم هندسة التمشيط هته على :
Ⅰ. نمط المسح الحلزوني أو الدوائر متداخلة المركز :
ينطلق فيها المحقق في مسار دائري يشبه الحلزون و يكون إما من مركز الجريمة ( كجثة مثلا ) الى الجدران الخارجية أو يكون الأمر عكسيا من الجدران إلى الجثة ، و يقوم فيه المحقق الجنائي إما بالتوسع تدريجيا أو الإنغلاق تدريجيا حسب نقطة البدء ، و تطبق هته الطريقة في الأماكن المغلقة أو المساحات المحدودة عديمة العوائق للحركة الدائرية للمحقق .
Ⅱ. نمط المسح الشبكي أو المتعامد :
هو أسلوب مسح ثنائي الأبعاد ، يقوم فيه الفريق بتمشيط المكان في خطوط مستقيمة وهمية على الأرض و تكون شمال-جنوب مثلا و عند الإنتهاء يعيدون تمشيط نفس المكان بزاوية 90 درجة متقاطعة على شكل شرق-غرب .
تصنف هته الطريقة كأدق الأنماط الجنائية و أكثرها صرامة ، و تقوم بتسهيل العمل في الأماكن المعقدة أو المليئة بالأشياء كالآثاث مثلا و تستهدف العثور على الأدلة الصغيرة كقطرات الدم الصغيرة .
Ⅲ. نمط المسح الخطي أو الشريطي :
هو أسلوب يقوم فيه فريق التحقيق بالإصطفاف بجانب بعضهم البعض في خط مستقيم تفصلهم مسافة محددة صغيرة ، ثم يتقدمون معا كشريط طويل ببطىء لتمشيط المساحات الشاسعة كالصحاري و الغابات ، تستهدف رصد الأدلة الكبيرة كالجثث المدفونة .
Ⅳ. نمط المسح القطاعي أو المربعات :
هو أسلوب يتم فيه تقسيم مسرح الجريمة إلى قطاعات أو مربعات محددة ثم يتم تعيين محقق أو فريق مصغر في كل قطاع لتمشيطه بشكل مستقل ، و يتم التمشيط باستخدام نمط بحث آخر كالحلزوني أو الشبكي ، تتم الإستعانة بهته الطريقة في الأماكن الضخمة أو المعقدة كالطوابق المتعددة ، فيمنع الفريق من التشتت و يتم توزيع المهام على أساس السلاسة و سرعة العمل .
Ⅴ. نمط المسح الشعاعي أو العجلاتي :
هو أسلوب يقوم فيه المحققون بالإنطلاق من نقطة مركزية ثابتة كمكان الإنفجار مثلا نحو الأطراف الخارجية في خطوط مستقيمة متباعدة ، يطبق في نطاقات جغرافية تكون دائرية بطبيعتها لتشكل في الأخير شعاع الشمس ، عيبه أن فجوات نطاق البحث تتسع كل ما ابتعدنا من المركز.
رابعا : حفظ و تعبئة و تقديم الأدلة إلى المختبر لتحليلها :
أكبر تحد يواجه المحققين بعد الإنتهاء من مسرح الجريمة هو الحفاظ على الأدلة المادية سليمة و خاصة الأدلة المادية الهشة سهلة الكسر أو التفاعل و عليه تتم هته العملية عبر 3 عمليات دقيقة و صارمة :
Ⅰ. التعبئة و التحريز العلمي :
تقوم هته العملية على مبدأ ” الخطأ في اختيار الوعاء الصحيح يساوي ضياع الدليل المادي للأبد ” فكل دليل و وعائه الخاص به فلدينا :
- الأدلة البيولوجية الرطبة : كالدماء و اللعاب تحفظ في ظروف و أكياس ورقية لأن الورق يسمح بمرور الهواء فتجف بدون أية مشكلة عكس البلاستيك الذي يجمع العفن فتتدمر خلايا الحمض النووي و تصبح بلا قيمة .
- الأسلحة و المقذوفات النارية : تثبت داخل صناديق كرتونية ( ورق مقوى ) بأربطة بلاستيكية لمنع الإحتكاك الذي يمسح العلامات المجهرية .
- الأدلة الرقمية : توضع في أكياس عازلة عازلة للإشارات اللاسلكية لضمان عدم الوصول للبيانات الرقمية .
يتم إغلاقهم بشريط لاصق خاص و بإحكام شديد موقع من قبل محقق مسرح الجريمة لضمان عدم فتحه و إثبات أنه لم يفتح منذ لحظة خروجه .
Ⅱ. تقديم الأدلة للمختبر و استلام التقرير :
يتم في هته المرحلة نقل الأدلة المادية بعناية فائقة للمختبر الجنائي ، يتم فحصها و تحليلها من قبل الخبير المختص ( كخبير الكيمياء أو المقذوفات ) مع طلب بفحص رسمي يتم التحديد فيه المراد الوصول إليه كفحص الحمض النووي لبقعة الدم ، في الأخير يتم تحويل الأدلة المادية الصامتة إلى شاهد لايُستطاع الشك في مصداقيته و بالتالي يحقق العدالة .
التحقيق الجنائي الميداني هو علم قائم بذاته لما لا و هو المسؤول عن تحويل الشاهد الصامت إلى شاهد بليغ .
في رأيكم هل لوكارد معه حق أم هناك دوما جريمة كاملة في الخفاء ؟ .